الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
97
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
بوجههم ، ولكن العزيز الجبار أهلكهم بالماء والهواء ، مع ما لهاتين المادتين من لطافة وليونة ، وما يمثلانه باعتبارهما من الوسائل المهمة المستلزمة لأساسيات حياة الإنسان ، فقد أغرقت أمواج وتيارات نهر النيل ذلك الطاغي ( فرعون ) وجنوده ، فيما سلط الله الهواء القارص بأعاصير مدمرة اجتاحت قوم ثمود حتى قطعت دابرهم ، فأهلكوا جميعهم . القرآن الكريم يذكر مشركي مكة بذلك النموذجين ليعرفوا أنفسهم أمام الله تعالى ، فإن كان الله قد أهلك تلك الجيوش العظيمة وبما تملك من عناصر القوة بماء وهواء ، فهل سيبقى لزمام أمورهم من شئ ، وهم أضعف من أولئك ! علما بأن البشر أمام الله بكل ما يحملون من قوة فهم سواء ، فلا فرق بين ضعيف وقوي . . فأين الخالق من المخلوق ! وإنما اختير قوم " فرعون " و " ثمود " دون بقية الأقوام السالفة كنموذجين للعصاة والضالين ، باعتبارهما كانا يمتلكان قدرة وقوة مميزة على بقية الأقوام ، وأهل مكة على معرفة بتاريخهما إجمالا . وتقول الآية التالية : بل الذين كفروا في تكذيب . فآيات ودلائل الحق ليست بخافية على أحد ، ولكن العناد واللجاجة هما اللذان يحجبان عن رؤية طريق الحق والإيمان . وكأن " بل " تشير إلى أن عناد وتكذيب أهل مكة أشد وأكثر من قوم فرعون وثمود وهم مشغولون دائما بتكذيب الحق وانكاره ويستخدمون كل وسيلة في هذا الطريق ، ( بلحاظ أن " بل " تستعمل عادة للاضراب : أي للعدول من شئ إلى شئ آخر ) . وعليهم أن يعلموا بقدرة الله : والله من ورائهم محيط . فلا يدل الإمهال على الضعف أو العجز ، ولا يعني عدم تعجيل إنزال العقوبة الإلهية بأنهم قد خرجوا عن قدرته جل شأنه .